النويري
349
نهاية الأرب في فنون الأدب
فودّعه ورجع إلى أصحابه فقال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد [ 1 ] الغاية على أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم . ورجع المغيرة ، فلمّا قدم الكوفة ذاكر من يثق إليه من شيعة معاوية فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ، ويقال أكثر ، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى ، فقدموا على معاوية وزينوا له بيعة يزيد ، ودعوه إلى عقدها ، فقال : لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم ، ثم قال لموسى ، بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بثلاثين ألفا . فقال : لقد هان عليهم دينهم . وقيل : أرسل أربعين رجلا ، وجعل عليهم ابنه عروة بن المغيرة ، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا : إنما أشخصنا إليك النظر لأمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وقالوا : « يا أمير المؤمنين ، كبرت سنّك ، وخفنا انتشار الحبل ، فانصب لنا علما وحدّ لنا حدّا ننتهى إليه » . فقال أشيروا على . فقالوا : نشير بيزيد بن أمير المؤمنين ، فقال : أو قد رضيتموه ؟ قالوا : نعم . قال : وذاك رأيكم ؟ قالوا : نعم ورأى من وراءنا . فقال معاوية لعروة سرّا عنهم : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال . بأربعمائة دينار . قال : لقد وجد دينهم عندهم رخيصا ، وقال لهم : « ننظر ما قدمتم له ، ويقضى اللَّه تعالى ما أراد ، والأناة خير من العجلة » . فرجعوا وقد قوى عزم معاوية على البيعة ليزيد .
--> [ 1 ] الغرز : ركاب كور الجمل ، وهو مثل ركاب السرج للفرس .